الحاج ميرزا علي الإيرواني الغروي
84
حاشية المكاسب
المقامات لا أنّ بمائزه في كلّ مقام شيء غير مائزه في الآخر كما حاربه كلام المصنّف فحوّل القول من باب إلى باب من غير جدوى والَّذي تحصّل لي من تصفّح الموارد وتتبع الجزئيات أنّ البائع يقال لكلّ من بذل خصوصيات ماله وأغمض النّظر عنها ولكن أمسك على ماليّته بأخذ البدل فهو في أخذه للبدل لا نظر له إلَّا إلى حفظ تموّله ولكي لا ينقص ماله بدفع العين كما في صورة الدفع المجاني فماليّة البدل وقيامه مقام الأصل في حفظ تموله مطلوب له بلا نظر إلى خصوصيات البدل وإنّما لا يختار في الأغلب غير النّقود لا لنظر له إلى خصوصيّة النقود بل لأنّ النّقود أسهل في الحمل والنّقل واشتراء الأجناس بها بخلاف غير النّقود فإنّها تحتاج إلى التحويل إلى النّقود ثم صرفها في المصارف وأمّا المشتري فهو بعكس ذلك يقال لكلّ من رغب في خصوصيات الأعيان الَّتي يتلَّقاها من المأكولات والمشروبات والملبوسات بل والنّقود فمقصوده أوّلا وبالذات الأعيان لتحصيل مقاصده بها وحيث لا تعطى مجّانا وبلا بدل التجأ إلى إقامة بدلها مقامها ليسد به ماليّة العين فالمأخوذ مقصود له بالأصالة والدّفع مقصود له بالتّبع حيث لا يعطى مجّانا نعم قد تكون خصوصيات العين مطلوبة مرغوبة لكلّ من الجانبين كما في تبديل كتاب بكتاب أو عباء بعباء والظَّاهر أنّ المعاملة في مثل هذا خارجة عن حقيقة البيع ليس فيها بائع ولا مشتري وهي مع ذلك صحيحة بحكم العمومات المصحّحة للمبيع ولكلّ معاملة كعموم أوفوا بالعقود وتجارة عن تراض قوله قدس سره فإنّ صاحب الثمن هو المشتري مقتضى هذا الضّابط كون كلّ من المتبايعين في بيع الصرف مشتريا قوله قدس سره فالثمن ما قصدا قيامه ليت شعري ما المراد من القيام مقام الثّمن فإن كان بمعنى التقويم به وملاحظة مقدار تموّله من النقود كما يشهد له ذيل كلامه فكلا المتبايعين لا يخلوان عن ملاحظة هذا المعنى وإن كان بمعنى وقوع المعاملة ولو تقديرا على جنس النقود ثم تحويله في المعاملة المصرّح بها إلى المتاع فهو واضح البطلان فإنّه لا معاملة تقديرية كذلك في شيء من الموارد قوله قدس سره بناء على أنّ البيع لغة كما عرفت مقتضى هذا البيان أنّ كلَّا من المتبايعين في كلّ بيع بائع ومشتر وهو باطل والظَّاهر أنّ عنواني البائع والمشتري من العناوين المتقابلة الَّتي لا يجتمع اثنان منها في واحد في معاملة واحدة قوله قدس سره لانصرافهما في أدلَّة تلك الأحكام لا منشأ لهذا الانصراف فإن كان فهو انصراف بدويّ لا اعتداد به قوله قدس سره يتصوّر بحسب قصد المتعاطيين على وجوه الوجوه المتصورة عشرة فإنّ المبادلة إمّا أن يكون بين المالين أو بين الفعلين أو بين مال وفعل ثم ما كان بين المالين إمّا أن يكون بين المالين في ملكيّتهما أو بين المالين في إباحتهما أو بالاختلاف وما كان بين الفعلين إمّا أن يكون بين تمليكين أو بين إباحتين أو بين تمليك وإباحة وما كان بين مال وفعل صورة أربع فإنّ الفعل إمّا أن يكون إباحة أو تمليكا والمال إمّا أن يجعل عوضا في كونه ملكا أو في كونه مباحا فهذه عشرة كاملة كلَّها تشترك في أنّ العطاء من أحد الجانبين بعنوان الإيجاب والأخذ من الجانب الأخر بعنوان القبول مكمّلان للمعاملة فيكون العطاء الثاني بعنوان الوفاء لما التزم به لا بعنوان تتميم إنشاء المعاملة وما توهّمه المصنّف من أنّ المعاوضة إن كانت بين تمليكين يكون العطاء الثّاني أحد أركان المعاملة ومكانته مكانة القبول فلو لم يحصل لم تكن المعاملة منعقدة باطل فإن جعل العوض فعلا لا يغيّر حال المعاملة حتى يكون الفعل جزءا متمّما لإنشاء المعاملة بل يكون حال الفعل في هذه الصورة حال المال في الصورة السّابقة في أنّه بالعطاء والأخذ تتمّ المعاملة فيستحقّ الآخر الفعل ويكون الفعل أداء لما اشتغلت الذّمة به بالأخذ كما في البيع المنشإ باللَّفظ إذا جعل الثّمن عملا وكما في الاستيجار على العمل ومن هنا يظهر الحال في الإباحة بإزاء الإباحة فإنّه بالأخذ لما أعطاه المعطي بعنوان الإباحة تتحقّق المعاملة ويحصل الالتزام بأن يبيح فإذا أباح فقد وفى بما التزم وإلَّا فلا لا أنّه لم تتمّ المعاملة نعم إذا كان التّمليك بإزاء التّمليك أو الإباحة بإزاء الإباحة بمعنى تعليق كلّ من التمليك والإباحة على تمليك الآخر أو إباحة بلا تمليك وإباحة فعليّة بتنجيزية كان التّمليك من الآخر أو الإباحة منه إنشاء للمعاملة بل ابتداء إنشاء محتاج إلى تجديد الإنشاء من الأوّل إذ لم يكن من الأوّل سوى وعد بأن يملك أو يبيح عند تمليك هذا أو إباحته لا إنشاء تمليك أو إباحة وإلَّا لم يقبل التّعليق قوله قدس سره وكيف كان فالإشكال في حكم القسمين الأخيرين لا إشكال عندي في حكم القسمين الأخيرين بل هما كباقي الأقسام في اتّصافهما بالصحّة أمّا الإشكال الَّذي ذكره أوّلا هو إشكال عام يعمّ جميع أقسام الإباحة بل يعمّ غير المقام من الإباحات المجانيّة العامّة لكلّ تصرف حتّى المتوقّف منها على الملك وحاصله أنّه ليس من وسع المالك إباحة ما لم يسوّغه الشّارع لغير المالك إلَّا بجعل موضوع ما أباحه الشّارع بأن يملكه والمفروض في المقام أنه لم يملك فإذا لم يملك فكيف يبيح له ما أباحته منوطة بالملك وليس دليل سلطنة النّاس ودليل حلّ التصرف في مال غيره بإذنه مشرّعا ومرخّصا فيما لم يرخّصه الشّارع بالإذن السّاذج بلا تمليك كما ليس مشرّعا في جواز ما منعه الشّارع من التصرفات كأن يطأ عبد الغير بإذنه أو يأكل لحمه أو يؤذيه بإذنه ويندفع هذا الإشكال بتفسير الإباحة المالكيّة وشرح معنى إذن المالك في التصرف في ملكه فنقول معنى قول المالك أبحت لك التصرف في مالي هو رفعت المنع الشرعيّ عنك برفعي لما هو الموضوع في هذا المنع وهو عدم رضاي بالتصرف وقلب عدم رضاي برضاي فتكون إباحة المالك ورخصته إباحة مالكيّة بلا واسطة وإباحة شرعيّة مع الواسطة وبواسطة الإباحة المالكيّة فإذا فرضنا أنّ إباحة المالك هذه اختصّت بالتصرّفات غير الموقوفة على الملك الكافي فيها إذن المالك كفى في تسويغ تلك التصرّفات شرعا هذه الإباحة إذ ليس موضوع ذاك إلَّا هذا وأمّا إذا عمّت كلّ التصرفات حتّى المتوقفة منها على الملك لم تكن رخصة المالكيّة مسوّغا لتلك التصرّفات إذ كان موضوع جواز تلك التصرفات شرعا هو الملك فإذا حصل جازت وإلَّا لم تجز فلا جرم كانت إباحتها متضمّنة لأمر آخر وهو جعل موضوع تلك التصرّفات أعني التّمليك فكما أن أعتق عبدي عنك متضمّن للتّمليك وتمليك بعبارة الإذن في العتق كذلك أبحث لك عتق عبدي ووطي جاريتي وبيع داري ووقف حمّامي تمليك بعبارة الإذن في التصرف ومثله لفظ عام اندرج فيه كل المذكورات فما وجه الإشكال في هذه وعدم الإشكال في أعتق عبدي عنك بل بالنّسبة إلى إباحة العتق في المقام ومثال الإذن في العتق واحد لا يختلفان نعم إذا كان إباحة التصرف من المالك بمعنى الرّضى به وعدم كراهته بلا تعرّض لحكم الشّارع بحيث لو أراد المأذون التصرف احتاج إلى الإذن من الشّارع أيضا كإذن أحد الشريكين في المال المحتاج جواز التّصرف فيه إلى إذن الآخر أيضا فإذا حصل منه إذن جاز التصرّف وإلَّا فلا لم يجر ما ذكرناه وكان ممنوعا من التصرفات المتوقّفة شرعا على الملك كما هو ممنوع من التصرفات المحرّمة بالذات كوطي العبد وأكل لحم الحيوان المحرّم الأكل وإن رضي المالك بالتصرف في كلّ ذلك لأنّ مجرّد رضاه لا يجدي ما لم يرخّص الشّارع أيضا ثم إنّ ما قلناه من التّمليك الضّمني لا يتوقّف على الالتفات إلى توقف التصرفات المأذون فيها على الملك بل التّمليك الضّمني حاصل ولو مع الجهل بذلك التوقّف كما أنّ الآذن في الشّيء أذن في لوازمه على سبيل الإجمال وإن جهل بلوازمه بل جهل بوجود اللَّازم له نعم مع اعتقاد العدم وأنّه لا لازم له يشكل كونه إذنا فيه هذا كلَّه في تصوير الجعل المالكيّ للملكيّة جعلا ضمنيّا مضمرا في عبارة أبحت لك كل التصرفات ولنا أن نلتزم بالجعل التعبّدي الشّرعي أيضا بيانه أنّ دليل السّلطنة بعمومه وشموله لكلّ تصرف يقتضي جواز إذن المالك في التّصرفات المتوقّفة على الملك ولا مانع من الأخذ بهذا العموم سوى دليل توقّف تلك